الصالحي الشامي
55
سبل الهدى والرشاد
الباب الثالث في اختلاف العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه تبارك وتعالى ليلة المعراج اعلم أن الصواب الذي عليه أهل الحق [ أن ] رؤية الله سبحانه وتعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا ، وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة ، وأن المؤمنين يرون الله تعالى . وزعمت طوائف من أهل البدع أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه ، وأن رؤيته مستحيلة عقلا . وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح . وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة للمؤمنين . ورواها أحد وعشرون صحابيا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وآيات القرآن العظيم فيها مشهورة ، واعتراضات المبتدعة عليها ، لها أجوبة مذكورة في كتب المتكلمين من أهل السنة . وأما رؤية الله تعالى في الدنيا فممكنة عقلا وسمعا ، ومذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه ، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك . ولكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على سبيل الاشتراط . وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بالدلائل الجلية ، ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة الله - تعالى عن ذلك - بل يراه المؤمنون لا في جهة ، كما يعلمون أنه لا في جهة . وبيان الدليل العقلي على جوازها بطريق الاختصار أن الباري سبحانه وتعالى موجود ، وكل موجود يصح أن يرى ، فالباري عز وجل يصح أن يرى . أما الصغرى فظاهرة ، وأما الكبرى ، فلان الحكم يدور مع علته وجودا وعدما . وقد تبين أن الموجود هو العلة لصحة الرؤية ، ولا يلزم من جوازها وقوعها وعدم تعلقها ، إنما هو لجري عادته تعالى بعدم خلقها فينا الان ، مع جواز خلقها فينا ، إذ هي غير مستحيلة وهنا أبحاث محلها الكتب الكلامية . وبيان الدليل الشرعي على جوازها في الدنيا أن موسى بن عمران ، رسول الله وكليمه ، العارف به سأل الله سبحانه وتعالى الرؤية ، فقال : ( رب أرني أنظر إليك ) [ الأعراف : 143 ] مع اعتقاده أنه تعالى يرى ، فسألها . وفي هذه الآية دليلان . الأول : محال أن يجهل نبي ما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه ، بل لم يسأل إلا جائزا غير محال ، لاستحالة سؤال المحال من الأنبياء ، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، ومن